المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حذاء الزيدي.. رسالة تنتظر الفهم


عاصم السيد
12-17-2008, 06:52 PM
القاهرة/ عاصم السيد

أراد بوش شيئًا وأراد الله شيئًا آخر، أراد بوش أن يختم فترةَ حكمه بجولة في منطقتي الصراع اللَّتَيْن أشعلهما في أفغانستان والعراق، يقول خلالها: إنه كان مُحِقًّا فيما فعله، وأن أفعاله جاءت بالنفع على الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تأكد سيطرتها على مقاليد الأمور في العالم، وباتت قوتها الباطشة أمرًا يخيف الصغير والكبير على السواء، لكنْ أراد الله سبحانه شيئًا آخر تمامًا، أراد أن يهين بوش أعظم إهانة؛ لتكون إهانة تاريخية سيحتفظ بها التاريخ في سجلاته؛ أنّ صحفيًا عراقيًّا شابًّا قذف الرئيس الأمريكي بوش الابن بفردتي حذائه على الملأ، وأمام العالم كله، وهو يقول له: "خذ قبلة الوداع ياكلب"!



جاء بوش الابن؛ ليتغني بإنجازات قواته ومرتزقته في جلب الحرية والديمقراطية للعراق، لكن في زيارته الرابعة، الوداعية لقواته، ولحفنة المتعاونين معه، ومع مشروعه الاحتلالي الذين أحضرتهم طائراته وناقلات جنده، لكنه وجد ما لا يمكن أن يخطر له ولا لأتباعه على بال، لقد تلقى تحيةً عراقيةً خاصةً، من شاب عراقي، نيابةً عن الشعب العراقي كله، واختزلت هذه التحية الخاصة كلَّ المشاعر التي تختلج في عقل وضمير كل مواطن عربي، وكل إنسان حر في هذا العالم.



ما فعله الصحفي العراقي منتظر الزيدي، مراسل قناة البغدادية العراقية بالرئيس الأمريكي بوش الابن أثناء انعقاد مؤتمر صحفي في بغداد الأحد 14 ديسمبر 2008م، كان إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تمامًا ومختلفة عما سبقها، فإذا كان بوش وإدارته اليمينية المتطرفة قد أَسَّسَا واقعًا جديدًا في المنطقة استمر ثماني سنوات، فإنّ ما فعله منتظر الزايدي، والذي يتزامن مع وصول أوباما للحكم في الولايات المتحدة، هذا الواقع لا بد وأن يكون مختلفًا كل الاختلاف عما فعله بوش، فإذا كان بوش قد رفع حذاءه للعرب والمسلمين قائلاً: إما تنفيذ أوامري، وإما الضرب بالحذاء الأمريكية الجبارة، فقد كانت نتيجته أنه -ومع انتهاء فترة حكمه- تأكّد للقاصي والداني أن هذه السياسة كانت محضَ جنون وإرهابٍ وغطرسةٍ، إذا كان لها أن تكسب كسبًا سريعًا، فإنّ مآلها إلى الندامة والخسران، وهي لن تستطيع أن تضرب العرب والمسلمين بالحذاء، وإنما ستُضْرَب هي بفردتي الحذاء على رءوس الأشهاد!



ما فعله الصحفي العراقي الشجاع عبَّر أصدق تعبيرٍ عن بركان الغاضب المشتعل في نفوس العرب والعراقيين بل والمسلمين جميعًا، من جنون ونزق وغطرسة بوش وزمرته المتطرفة، التي تتساوى هي وزمرة الصهاينة المتطرفين الذين يغتصبون فلسطين المحتلة، ويهدمون الديار، ويُرَمِّلون النساء، ويُيَتِّمون الأطفال، ويسرقون الثروات، وينتهكون الأعراض.



وإذا كان منتظر الزيدي صحفيًّا مهنته القلم والميكروفون، إلا أنه بموقفه هذا، لا يقل بطولةً ونخوةً ورجولةً عن أي بطل ومقاوم وشهيد عراقي، سطَّر ملاحم بطوليةً، في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكية الغازية، وهو موقفٌ يُؤَكِّد لنا أن أصحاب الأقلام الوطنيين الغيارى لا يمكن أبدًا التقليل من شأنهم، ولذلك كنا نرى أن سلطات الاحتلال الأمريكية والجيش الأمريكي المحتل في العراق يستهدفهم ويقتلهم ويهدم مقراتهم، ورحم الله الشهيد طارق أيوب وزملاءه الكرام!

ما فعله منتظر الزايدي يؤكد أن المقاومة العراقية لم تنتهِ، بل هي في تنامٍ، وستَصِل حتمًا إلى منتهاها، وهو تحرير الأرض والعِرض، وتحقيق وحدة العراق، وتخليصه من المحتلين وأعوانهم وخدمهم.



وإذا كان المحتل الأمريكي قد وجد من يدافع عنه، ويخون أهله ودينه ووطنه، فإنّ موقف الزيدي يؤكد أن العراق مليءٌ بالغيَارَى والشرفاء الذين سيغسلون عار الخونة، الذين جاءوا على دبابات المحتل الأمريكي؛ ليشعلوا نيران الطائفية، وليدمروا العراق وينهبوا ثروته.

إن ردود الأفعال غير المسبوقة للشارع العربي المسلم، والتي عبر عنها المواطنون العراقيون والعرب بالتظاهر تأييدًا لمنتظر الزايدي، ومكالماتهم الهاتفية التي لا تنقطع للفضائيات العربية ووسائل الإعلام، وتعليقاتهم الرهيبة على المقالات والأخبار على مواقع الإنترنت، تؤكد أن هذه الجماهير حملتِ الزيدي في قلوبها، وتعتبر أن ما فعله كان تعبيرًا عما يريد أن يفعله كل واحد من هذه الجماهير.



وإذا كان المغرر بهم من العراقيين، وبتنسيقٍ مع قوى الاحتلال الأمريكي، قد قذفوا صورة صدام حسين بالعراق يوم سقوط بغداد في يد تتار العصر الحديث، فإن ما فعله منتظر يؤكد أن الأيام قد دارت دورتها الصحيحة، ليتم قذف قائد مشروع الغزو والهمجية والتدمير بحذاء أقوى، بعد أن ثبت للعالم أن وجود صدام -رغم مساوئه وعيوبه- كان أفضل ألف مرة من مشروع التحرير الوهمي الذي قاده بوش وزمرة المتطرفين اليمينيين، بالتعاون مع الزمرة الطائفية والعرقية في العراق.



العراق أيام صدام كان مستقرًا موحدًا وغير طائفي وغير عرقي، وصامدًا ومقاومًا لمخططات أعداء الأمة، ويعيش الإنسان فيه آمنًا (رغم اعتراضنا على الكثير من سياسات صدام، مثلما نعترض على الكثير من سياسات دولنا العربية) لديه فُرَص التعليم والعلاج المجاني، ولديه مرافق أساسية، وخدمات تعادل أفضل ما هو موجود في العالم، أما الآن، وبعد مرور ست سنوات على الوعود الكاذبة بأن يصبح العراق جنة، فإن المواطن العراقي هرب إلى خارج بلاده، وأصبح العراقيون لا يجدون الماء ولا الكهرباء، وأصبحت المدارس والجامعات العراقية في حالة يرثى لها، وتم تفكيك الجيش العراقي القوي، وتم قتل واغتيال العلماء العراقيين الأذكياء، وتم نهب ثروة وبترول العراق.



إن الكثيرين قد انتقدوا أن يقوم صحفي بالتعامل بالحذاء مع رئيس أكبر دولة، قائلين: إنه كان يجب أن يحاوره بالسؤال والرأي والقلم، والذين يقولون ذلك يُغَلِّبون المنطق، ولكن هل تفهم أمريكا لغة المنطق؟ أم أنها تتعامل معنا فعلًا بمنطق الحذاء السياسي؟!



إن بوش حينما صمم على غزو العراق كَذِبَ كل أنواع الكذب، ورغم ما كُتِب من مقالات عن أن العراق لا يمتلك أسلحة نووية أو كيماوية، ورغم تقارير المفتشين الدوليين، ورغم كل ما بُذل من إبداء الرأي ومحاولات الإقناع، فإنّ كل ذلك لم يُفِدْ ونفذ بوش رأيه الذي صمم عليه.



وحينما تم احتلال العراق، لم يسمع بوش لأي رأي يعارض رأيه، ولم تنفع معه محاولات الإقناع والتحاور الحضاري، وإنما استخدم أحطَّ أنواع الأساليب، وأفتك الأسلحة، من أجل الوصول إلى قصده الخبيث، فهل مع مثل هذا وزمرته المتطرفة يفيد الرأي والإقناع؟!



وهل يفيد التحاور بالرأي مع مَنْ قتل مليون عراقي، وجعل مثلهم من المعاقين، وأجبر 5 مليون منهم على الهروب للخارج، معظمهم يعيش في مخيمات للإيواء، بعد أن كان يعيش عزيزًا في وطنه؟



والمرء يتعجب من الذين يقولون: إن الضرب بالحذاء أمر رمزي في الثقافة العربية فقط، يعكس أعلى درجات المهانة، ونحن نقول: بل هو لغة رمزية عالمية، لها مفعول السحر في التأثير والانتقام، وسوف تُؤتي أثرها مع مَنْ لا يفهمون إلا لغة القوة والتجبر والغطرسة والظلم وإهانة الغير.

وبالرغم من كل الأضرار والخسائر التي كبّدتها المقاومة الوطنية العراقية البطلة لقوات الاحتلال بجميع جنسياتها، والتي شاركت في احتلال العراق بلاشرعية دولية، وبالرغم من كل ما ترتب على فعل المقاومة البطولي من تحطيم كامل لأهداف المحتلين والانهيارات المالية في اقتصاديات بلدانهم الغربية، إلا أن الوقع النفسي والفعلي على شخص بوش الابن، وعلى رموز إدارته كان أشد تأثيرًا وقوة وإيلامًا.



ويا ترى ماذا سيفعل رُسُل الحرية المزعومة ودعاة الحرية والديمقراطية مع هذا الصحفي الشجاع، الذي قصف رمز الطغيان بفردتي حذاء جسدتا الرفض الشعبي العراقي لمسيرة الاحتلال، ورسمتا لوحة تاريخية حية، أنهت بموجبها الحياة السياسية لبوش الابن؟!



إننا ننتظر ماذا سيفعلون به، وهو الذي لم يستخدم الرصاص والسلاح، بل إن بوش نفسه قال: إن هذا أمر عادي في النظم الديمقراطية! ونحن نشك في هؤلاء؛ لأن منظر الزبانية وهم يضربون ويركلون ويجرجرون منتظر كان بشعًا، لا ينم عن أي تسامح، وحينما ذهب أخوه ليعرف أين هو؛ ليسأل عنه وليطمئن عليه، قيل له: انسوا منتظر!



وخوفًا من البطش بهذا الصحفي الشجاع فقد آن الاوان لكي نسمع صرخةً مدويةً من دعاة الحرية والديمقراطية، ومن دعاة حقوق الإنسان، ومن كل الشرفاء من الحقوقيين والصحفيين والإعلاميين والسياسيين وقادة الأحزاب والعمل الأهلي، في بلادنا العربية والإسلامية، بل وفي كل بلاد العالم؛ للتضامن مع هذا الصحفي الشجاع، حتى لا يكون لقمة سائغة في أيدي الاحتلاليين والطائفيين.



هذا الحدث وهذا الموقف من منتظر الزيدي سوف يُديم استفزاز مشاعر كل العراقيين الشرفاء، ويرفع من مستويات حنقهم ورفضهم للمحتلين الغزاة وأعوانهم، وعلى المقاومة العراقية أنْ تُوَظِّفَ هذا الحدث، وتستفيد منه في تعميق سياسة وثقافة المقاومة المسلحة؛ لطرد الاحتلال، وإعطاء المقاومة فرصةً أكبر لاختصار زمن طرد الاحتلال وقهره أمام أنظار العالم، بنفس الكيفية التي رأى العالم من خلالها قائد القوى الكبرى العظمى؛ قائدة الاحتلال للعراق، يُضْرَبُ بحذاءِ أحد العراقيين!

عاشق الربع
08-01-2009, 03:26 PM
مشكوووووووووووووووووووووووووووووووور